الخوارج وصناعة العداوة.. حين يتحوّل المراء من طلب الحقيقة إلى طلب الغلبة قراءة في أحد أسباب خروج...
الخوارج وصناعة العداوة.. حين يتحوّل المراء من طلب الحقيقة إلى طلب الغلبة
قراءة في أحد أسباب خروج الخوارج على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصف الخوارج:
«أيّتها العصابة التي أخرجها عداوةُ المراء والحجاج، وصدّها عن الحق اتباعُ الهوى واللجاج».
(ابن الصبّاغ، الفصول المهمة، ص 103).
إنّ المتأمّل في كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الخوارج، يجد أنّها تتضمّن تحليلاً عميقاً لشخصيتهم، وتكشف عن جملة من الأسباب الفكرية والنفسية التي أدّت إلى خروجهم عليه، حتى تحوّلوا من جماعة كانت في صفّه إلى جيش يقف في مواجهته ويحمل السلاح ضده.
وقد أشار الشهيد مرتضى مطهري إلى أنّ أفضل تحليل لشخصية الخوارج نجده في نهج البلاغة؛ إذ لم يكتفِ أمير المؤمنين (عليه السلام) ببيان موقفهم السياسي، بل نفذ إلى جذور الخلل في تفكيرهم وسلوكهم، فوصفهم بالجهل والسفه، وبيّن أنّهم طلبوا الحق فأخطؤوه، وأنّهم بحاجة إلى أن يُعلَّموا ويُفهَّموا، وهي إشارات تكشف عن طبيعة هذا الانحراف وكيفية تشكّله.
وفي هذه المقالة المختصرة نسلّط الضوء على سبب مهم من أسباب خروجهم، ورد في الكلمة المتقدمة، وهو (عداوة المراء والحجاج) ؛ ذلك أنّ هذا السبب ليس مرتبطاً بمرحلة تاريخية معينة، بل هو مرض فكري وأخلاقي قابل للتكرار في كل زمان، وقد ينتج لنا خوارج تختلف صورهم ودرجات تشددهم، ولكنهم يشتركون في الجذر النفسي والفكري نفسه.
أولاً: المراء حين يتحوّل إلى عداوة
المراء هو المجادلة والخصومة في الكلام، لا بقصد الوصول إلى الحقيقة أو الكشف عن الصواب، وإنما بقصد الغلبة والانتصار على الطرف الآخر، وإظهار تفوق الذات، وتحقير الخصم، والتشكيك في كلامه ومواقفه.
وهنا تكمن الخطورة؛ لأنّ الحوار في أصله وسيلة للوصول إلى الحقيقة، أما المراء فيتحوّل إلى وسيلة لإثبات الذات والانتصار لها، حتى لو ظهرت الحقيقة على خلاف ما يعتقده المجادل.
فالذي يطلب الحق إذا ظهر له الدليل رجع إليه، أما الذي يطلب الغلبة فإنه قد يرفض الحق إذا صدر من خصمه؛ لأنّ قبول الحق عنده يعني الاعتراف بانتصار الآخر.
وهذه كانت من الصفات البارزة في سلوك الخوارج؛ إذ لم تكن مناقشاتهم ومحاججاتهم دائماً بحثاً عن الحقيقة، بل تحوّلت في بعض مواقفهم إلى وسيلة لإثبات الخصومة والتشدد، بل وإلى مقدمة لاستباحة الدماء.
ومن الشواهد التاريخية المؤلمة على ذلك ما جرى لعبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته؛ إذ استوقفه الخوارج وحاجّوه في معتقده وموقفه، ثم انتهى الأمر إلى قتله وقتل زوجته وبقر بطنها. وهنا نرى كيف يمكن أن تنحدر الخصومة الفكرية، حين تفقد ضوابطها الأخلاقية والإنسانية، إلى مستوى استباحة الإنسان ودمه.
فالمشكلة لم تعد اختلافاً في الرأي أو مناقشةً في العقيدة، بل أصبحت عقلية ترى في المخالف خصماً ينبغي إسقاطه، ثم قد تتطور إلى اعتباره عدواً يستحق القتل.
ثانياً: كيف يتحوّل المراء إلى عداوة ثم إلى اقتتال؟
إنّ المراء لا يبقى محصوراً في دائرة الكلام دائماً، بل قد ينشئ حالة نفسية متراكمة من الحقد والضغينة؛ لأنّ المجادل لا ينظر إلى الآخر بوصفه إنساناً يبحث معه عن الحقيقة، وإنما ينظر إليه بوصفه خصماً يريد الانتصار عليه.
ومع تكرار الخصومة، تتولد الشحناء، وتضعف المودة، وتتسع الفجوة، حتى يصبح الاختلاف في الرأي خلافاً في الأشخاص، ثم يتحول إلى قطيعة وعداوة، وربما يصل الأمر إلى التعبئة والتحريض والاقتتال.
ولهذا حذّر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) من المراء والخصومة، ولم ينظروا إليهما على أنّهما مجرد سلوك كلامي غير مستحب، بل كشفوا عن آثارهما العميقة في العلاقات الإنسانية والإيمانية.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«إيّاكم والمراء والخصومة، فإنّهما يمرضان القلوب على الإخوان، وينبت عليهما النفاق».
(الكافي، ج 2، ص 300، ح 1).
لاحظوا التعبير النبوي الدقيق: «يمرضان القلوب على الإخوان»، فهو لا يتحدث عن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل عن مرض يصيب القلب تجاه الأخ، فيحوّل الأخوّة إلى حالة من النفور والريبة والعداوة.
وقال الإمام علي الهادي (عليه السلام):
«المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّل العقدة الوثيقة، وأقلّ ما فيه أن تكون فيه المغالبة، والمغالبة أسّ أسباب القطيعة».
(أعلام الدين، ص 311).
وهذه الرواية تكشف عن مرحلة أخرى من خطورة المراء؛ فهو لا يفسد العلاقات الجديدة فحسب، بل قد يهدم صداقات قديمة وروابط راسخة، ويحلّ العقد التي كانت تجمع الناس على المودة والثقة.
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):
«ثمرة المراء الشحناء».
(غرر الحكم، ح 4607).
وهذه كلمة جامعة تختصر النتيجة الطبيعية للمراء؛ فحين يغيب الإخلاص في طلب الحقيقة، وتحضر الرغبة في المغالبة، تكون الثمرة هي الشحناء، لا العلم، والفرقة لا الوحدة.
ثالثاً: الخوارج نموذج لتفكك الجماعة الواحدة
إنّ الخطورة في هذا المرض أنّه قد يصيب الجماعة الواحدة التي يجمعها أصل فكري وعقائدي وموقف مشترك، ثم يعمل على تفكيكها من الداخل.
وهذا ما نراه في تجربة الخوارج؛ فقد كانوا ضمن جيش أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثم تحوّلوا إلى جماعة معارضة له، واشتدت خصومتهم حتى انتهى الأمر إلى حمل السلاح في مواجهته.
وهنا ينبغي أن نتأمل جيداً: كيف يمكن لجماعة اجتمعت في موقف واحد، ووقفت في خندق واحد، أن تتحوّل إلى جماعة متناحرة؟
إنّ أحد الأجوبة يكمن في غياب أخلاق الاختلاف، وتحول النقاش إلى مراء، والمراء إلى عداوة، والعداوة إلى موقف متشدد لا يقبل المراجعة ولا يفتح باب العودة.
وهذا الأمر لا يختص بالخوارج في التاريخ، بل قد يتكرر حتى داخل المذهب الواحد، وبين الجماعات التي تشترك في الأصول والفروع، ولكنها تختلف في بعض الاجتهادات أو المواقف أو طرائق العمل.
فقد تتحول المجالس العلمية والنقاشات الفكرية إلى ساحات للمغالبة، ويصبح همّ كل طرف إسقاط الطرف الآخر وإثبات خطئه، لا الوصول إلى الحقيقة أو تقريب وجهات النظر.
والأخطر من ذلك حين تنغلق كل جماعة على نفسها، وترى أنّها تمثل الحق المطلق، وأنّ الآخرين على باطل مطلق، فلا تقبل مراجعة، ولا تسمح بالنقد، ولا تفتح باب الهداية والتفاهم حتى لمن يشاركها في الأصول والثوابت.
وهنا لا يعود الاختلاف وسيلة لإثراء الفكر وتصحيح المسار، بل يصبح أداة لتفكيك الجماعة وإضعافها، وقد تتحول الخصومة إلى عداوة تستنزف الطاقات وتبدد الجهود.
رابعاً: متى يجب أن نتوقف عن الجدال؟
ليس المقصود من هذا الكلام رفض الحوار أو النقاش العلمي، فالحوار ضرورة معرفية، والاختلاف في الرأي أمر طبيعي، بل قد يكون سبباً في نضج الفكر واكتشاف مواطن الخطأ.
إنما الكلام في الجدال الذي يفقد غايته، ويتحول إلى خصومة شخصية، ويصبح كل طرف فيه أسيراً لرغبته في الانتصار.
فليس كل نقاش يستحق الاستمرار، وليس كل مخالف يمكن إقناعه بكثرة الكلام، وليس من الحكمة أن نستنزف علاقاتنا وأخوتنا في جدالات لا تنتج معرفة ولا تقرّب من الحقيقة.
وقد تكون الحكمة أحياناً في التوقف عن النقاش، لا عجزاً عن الإجابة، وإنما إدراكاً لانتفاء فائدته، وحفاظاً على ما بقي من المودة والروابط.
إنّ المؤمن الذي يطلب الحق لا يخشى أن يتراجع عن رأيه إذا ظهر له الصواب، ولا يرى في الاعتراف بخطئه هزيمة، لأنّ غايته الحقيقة لا الانتصار لنفسه.
أما الذي يطلب الغلبة، فإنه قد ينتصر في النقاش ويخسر أخاه، وقد يكسب جولة من الجدل ويخسر علاقة امتدت سنوات، وقد يظن أنّه يدافع عن الحق، بينما هو في الحقيقة يدافع عن ذاته وهوى نفسه.
وخلاصة الكلام: إنّ من أهم الدروس التي تكشفها تجربة الخوارج أنّ الانحراف لا يبدأ دائماً من مخالفة العقيدة أو إعلان العداء، بل قد يبدأ من خلل في طريقة التفكير، ومن مراء لا يريد الحقيقة، وحجاج لا يريد الهداية، وخصومة تغذيها الأهواء حتى تتحول إلى عداوة.
ولهذا فإنّ كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) ليست وصفاً تاريخياً لجماعة مضت وانتهت، بل هي تحذير من مرض قد يتكرر في كل زمان، كلما غابت أخلاق الحوار، وحضرت المغالبة، وأصبح الانتصار للنفس مقدماً على الانتصار للحق.
وللكلام بقية في هذا السبب، وفي الأسباب الأخرى التي أشار إليها أمير المؤمنين (عليه السلام) في تشخيص شخصية الخوارج وأسباب انحرافهم.
عبد الحكيم الخزاعي