الحاجة لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين

بواسطة |   |   عدد القراءات : 136
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الحاجة لآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين

بقلم: الشيخ حميد وناس ال عجمي

 

ورد في كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق رحمه الله تعالى (ص٣٢١ ب٣٣ ح٢٢) :{عن صفوان الجمال قال: قال الصادق عليه السلام: أما والله ليغيبن عنكم مهديكم حتى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمد حاجة ثم يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما}. 

كلما تجدد الزمان ومضت السنون بدت درر ال محمد صلوات الله عليهم اكثر بريقا ونفاسة، فهي بحق كنوز معرفية متجددة الفائدة للأمم والأجيال البشرية المتعاقبة على امتداد الزمن الى أن يرث الله الارض ومن عليها، ففي كل زمان هناك اشارات خفية يتضمنها النص المحمدي، إشارات في عرض الكلام تحتاج من يتلقاها ويفهمها، ومن ثم يوظفها فيما يحتاجه الانسان في كل عصر وجيل .

كل ذلك إنطلاقا من رؤية محورية قائمة على فكرة: أن هذا الكون بكل أجزائه المادية والمعنوية مفتقر ومحتاج لوجود الإمام المعصوم عليه السلام، وان الله تعالى كون الكون واوجد الوجود وخلق الخلق وشرع الشرائع وفطر العقول على هذه الحقيقة المحورية فلا تبديل لخلق الله ولا تحويل لسننه سبحانه وتعالى .

والرواية الشريفة السابقة تشير لحالة من حالات الجاهلية التي تنتاب المجتمع وتتفشى فيه عند غياب الإمام المهدي عليه السلام، قوام تلك الحالة بالربط بين حالة كون الإمام المهدي عليه السلام ظاهرا مشاهدا، وبين الاعتقاد بالحاجة اليه، فاذا غاب عن الابصار انتفت الحاجة وسارت امور الدنيا المادية والتشريعية بمعزل عنه، وهو جهل كما وصفه الإمام الصادق عليه السلام، فاهمية اي امر من الامور لا يمكن ربطها برؤية ذلك الامر والشعور به حسيا، وكم من مخلوق به قوام حياة الفرد كروحه المهيمنة على جسده، وهي من الاهمية بمكان مع انه لا يراها ولايشعر بها .

ولعل هذه الحالة الجاهلية التي تشير اليها الرواية الشريفة تسري حتى الى بعض الاوساط العلمية المتدينة، فتتوهم ان ارادة الله تعالى تجري في هذا الوجود تشريعا وتكوينا بمعزل عن وجود ال محمد الاطهار عامة وإمام الزمان خاصة صلوات الله عليهم اجمعين، فالعبارة التي وردت على لسان اهل الجاهلية المعاصرة في الرواية الشريفة: ( لله في آل محمد حاجة )، مشعرة بان قائلها ممن يعتقد بسلطان الله تعالى وهيمنته على الوجود، وليس من اتباع النظريات المادية التي تعبد المحسوسات وتقدس القوانين الطبيعية بعيدا عن تأثير الله تعالى الخالق لهذه المحسوسات وتلك القوانين .

فالرواية الشريفة تحذر من قيام اي نوع من المعارف المادية او الدينية التي تؤمن بإنعزال الوجود عن تأثير ال محمد الاطهار، حتى وصفت نفسها بالحداثة والعصرنة، فهي ليست الا جاهلية مقيتة ، والعلم والعقل والايمان يدفع للنظر للكون وتنظيم شؤون الفرد والمجتمع وبمختلف جوانب الحياة، بمدخلية ومحورية ال محمد الاطهار صلوات الله عليهم اجمعين .

وايضا تشدد الرواية بإلفات النظر لضرورة وجود إستراتيجية حياتية عامة قوامهما الحاجة والاضطرار والافتقار لوجود إمام الزمان عليه السلام، فهي تتمحور حوله ويشكل فيها الركن الاساس الذي تقوم عليه باقي المحاور والأسس الفرعية، وهي إستراتيجية يسير عليها كل افراد الأمة ابتداء من القادة الدينيين والسياسيين والاجتماعيين، وانتهاء بربة البيت والعامل البسيط والفلاح، فالجميع يؤمن بوجود حاجة عظمى لإمام الزمان عليه السلام، وان اي نجاح في عمله انما يقاس بمدى مطابقته لما يريده إمام الزمان عليه السلام، فنحن لا معنى لوجودنا اذا خلى منه عليه السلام، فكما تسيخ الارض الواسعة باهلها اذا فقدت الحجة وتؤول الى الفساد والدمار، فكذلك النفس البشرية والوجود البشري يسيخ بصاحبه اذا فقد استشعار اهمية وجود الحجة، ويأول الامر فيها الى الفساد والانحراف والضلال والحياة البهيمية .

فاذا اقبلت النفس على إمامها بصدق امتلئت بالعدل والقسط طوعا، وتمتعت بذلك طويلا، فالإستراتيجيات المعاصرة السياسية والاقتصادية وغيرها قائمة على محور استمداد العون من جهة إتسامها بالقوة والاقتدار، فيقع التحالف والانسجام بين القوي والضعيف، والوجود المبارك لإمام الزمان عليه السلام انما هو وجود له

قدرة تفوق القدرة البشرية العادية، وقد تعهد سلام الله عليه في وقت سابق بنصرة ومعونة من اعتصم به ولجأ اليه من شيعته .

وهكذا ينبغي ان يكون الشيعي في كافة مراحل حياته الفردية والإجتماعية، معتقداً بأن الإشراف المهدوي ورضا إمام الزمان عليه السلام هو المطلوب، فلا يخطو خطوة واحدة بعيدا عن هذا الهدف الأسمى، فاذا سارت له الدنيا وبسطت نفسها له دون طلب منه، قبلها ووظفها في خدمة هدفه، فصيرها عبدا يأمره فيطيع، لا ربا يأمر فيطاع .

والوصول لهذا المعنى يحتاج اولا للقيام للإمام باعتباره حجة الله على خلقه، والإخلاص في هذا القيام، والجدية والإصرار، وترك اي صورة من صور التهاون والارتخاء، فالإخلاص وكما ورد في مفردات الراغب الاصفهاني يعني: التبري من كل شيء غير الله تعالى ( مفردات الراغب ص ٢٩٣).

 

يقول الشيخ المفيد رحمه الله تعالى في كتابه الفصول العشرة ص٨٢ : (فأما بعد انقراض من سميناه من أصحاب أبيه وأصحابه عليهم السلام، فقد كانت الأخبار عمن تقدم من أئمة آل محمد عليهم السلام متناصرة: بأنه لا بد للقائم المنتظر من غيبتين، إحداهما أطول من الأخرى، يعرف خبره الخاص في القصرى، ولا يعرف العام له مستقرا في الطولى، إلا من تولى خدمته من ثقات أوليائه، ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره)، وفي الحقيقة لا اعرف ما الذي كان يدور في ذهن الشيخ رحمه الله تعالى حين دون هذه الكلمات وخاصة المقطع الاخير منها، لكني افترض انه اراد ان يجيب على سؤال يخطر في بال الكثيرين: كيف تمكن الشيخ المفيد من الوصول لهذا المقام الشامخ الذي استحق به مخاطبة امام الزمان عليه السلام له وارشاده وتوجيهه بشكل مباشر؟ 

فكأنما جاء الجواب منه رحمه الله تعالى: من تولى خدمة امام زمانه عليه السلام، وكان من ثقات أوليائه، ولم ينقطع عنه إلى الاشتغال بغيره: استحق معرفته ومراسلته والتشرف بسماع التوجيهات والارشاد منه مباشرة .

فاستشعار الحاجة لإمام الزمان عليه السلام بشكل حقيقي وصادق، يعني تكوين قدرة عند الفرد على استيعاب الأحداث التي يعاصرها، وفهم الحقائق المختلفة التي تنكشف له، من خلال نافذة وحيدة هي: إمام الزمان عليه السلام، فهو الحدث الأهم والحقيقة العليا عنده .

ثم ان هذه القدرة تمكن الفرد من القيام بنشاطات معينة تتصل بما يشعره من حاجة مهدوية، فهي قدرة توجه الى كيفية أداء عمل أو نشاط معين بصفة مهدوية صحيحة، بعد معرفة قيمة ذلك العمل المهدوي .

ارأيت ان دنا منك رجل عجوز وبيده بعض الاوراق النقدية، قائلا: هلا عددتها لي؟ فانا لا اعرف كم هي، وكم تساوي.

فانت قد تشفق على حاله في بادئ الامر لانه لايستطيع القيام بهذا النشاط البسيط، لكنك قطعا ستشعر بعد ان تتم عملك وتعطيه ماله، كم هو مرتاح النفس لا يعبأ كثيرا بقيمة المال، وانه يعيش حياتا لا يشكل المال محورا مهما فيها، هذا هو النقص الظاهري الذي يستتبع اعلى درجات الكمال الحقيقي، فان تهدم المحاور المتعددة في حياتك، وتعيد برمجتها على اساس ومحور واحد هو: الحاجة لامام الزمان عليه السلام، معناه ان الاخرين سينظرون لك نظرة الشفقة، مع علمهم بعظيم الكمال الذي نلته وفشلوا هم في الوصول اليه. 

Powered by Vivvo CMS v4.7